لو أردنا رسم خريطةٍ حسّيّة للمغرب، لما كانت خريطةَ الطرق ولا خريطةَ الحدود الإداريّة. لكانت خريطةَ الحركات. خطٌّ من الشمال إلى الجنوب، من جبال الريف إلى أبواب الصحراء، يربط المدن بموادّها — الطين، الصوف، الخشب، المعدن، الملح. كلّ مدينةٍ نقدّمها هنا تستمدّ هويّتها من حوارٍ قديمٍ جدًّا بين تربةٍ ويدٍ وسوق.
i. قراءةٌ جغرافيّة
يستجيب التوزيع الجهويّ للمهارات لثلاث منطقاتٍ متراكبة. المنطق المادّيّ أوّلًا: يُشتغَل ما ينبت، وما يُوجَد، وما يُطاوِع. ينمو العرعار حول الصويرة ولا مكان آخر في العالم بهذه الكثافة — يركّز المغرب أكثر من 80٪ من احتياطيّه. ويدين طين فاس بأخضره العميق لأكاسيد النحاس التي يحتويها طبيعيًّا. ويستقبل ملحُ تيزنيت الفضّيّ الفيلاݣران لأنّ القوافل العابرة للصحراء كانت تُنزِل المعدن هناك قادمًا من الساحل.
ثمّ المنطق القافليّ. جعلت طرق التجارة المهاراتِ تهاجر مع البضائع. سفرو، على طريق الجنوب، تصير عاصمة تربية القزّ وزرّ الحرير. وشفشاون، ملجأ الموريسكيّين المطرودين من الأندلس في القرن الخامس عشر، ترث النسيج بنقوشٍ إسبانيّة-مغاربيّة. وتطوان، الميناء الثانويّ لغرب المتوسّط، لا تزال تحتفظ اليوم بأكثر مدارس الزليج صرامةً، تتميّز بلوحتها اللونيّة الأكثر تقشّفًا.
وأخيرًا المنطق السلاليّ. اجتذبت العواصم المتعاقبة — فاس في عهد الأدارسة ثمّ المرينيّين، ومرّاكش في عهد المرابطين والموحّدين، ومكناس في عهد مولاي إسماعيل، والرباط في عهد العلويّين — الورشاتِ والرُّعاةَ والطلبيّات، فثبّتت لقرونٍ تراتُبَ الامتيازات. وما نسمّيه اليوم «صناعة فاس» هو الإرث المباشر لمكانتها عاصمةً إمبراطوريّة ولإشعاع جامعة القرويّين، المؤسّسة سنة 859.
ii. المراكز الثمانية
نقدّم أدناه، بالترتيب الجغرافيّ من الشمال إلى الجنوب، المدن الثماني التي تعترف بها دار الصانع ووزارة السياحة مراكزَ تراثيّة كبرى. لا تستوفي هذه القائمة البلاد كلّها — فسلا وتازة وورزازات وسيدي إفني وطانطان وݣولميمة وأرفود تستحقّ الزيارة أيضًا — لكنّها تشكّل أساس أيّ جولةٍ حرفيّة جادّة.
فاس
العاصمة الروحيّة. زليج، نحاس، جلد، تطريز، خطّ. مدرسة العطّارين، مدابغ الشوّارة.
تراث عالميّ لليونسكو 1981 N° 02مكناس
المدينة الإمبراطوريّة لمولاي إسماعيل. تدميس، تطريز، خزف. باب منصور، أهراء هري السواني.
تراث عالميّ لليونسكو 1996 N° 03شفشاون
لؤلؤة الريف الزرقاء. نسج الصوف، الجلابات، الصابون الأسود. إرثٌ أندلسيّ-موريسكيّ.
نسيج ريفيّ · 1471 N° 04تطوان
المدينة البيضاء. المدرسة العليا للزليج والنحاس، مدارس حرفيّة قرنيّة.
تراث عالميّ لليونسكو 1997 N° 05مرّاكش
العاصمة الحمراء. زربيّة أمازيغيّة، جلد، قطانية، حدادة. أسواق المدينة، جامع الفنا.
تراثٌ شفويّ لليونسكو 2008 N° 06الصويرة
موݣادور، مدينة الرياح. تطعيم العرعار، النجارة الفنّيّة. تعاونيّة المطعّمين (1948).
تراث عالميّ لليونسكو 2001 N° 07آسفي
عاصمة الخزف. تلّة الفخّارين، تقنية النار الكبرى، التمليع بالكوبالت والأخضر النحاسيّ.
فخّار آسفي · القرن 13 N° 08تيزنيت
عاصمة الفضّة بسوس. فيلاݣران أمازيغيّ، حلي طوارقيّة، حلي الزفاف.
صياغة أمازيغيّة · القرن 18iii. المدن العتيقة المعترَف بها
أربع مدنٍ عتيقة مغربيّة على قائمة التراث العالميّ لليونسكو: فاس (مدرجة سنة 1981)، ومرّاكش (1985)، ومكناس (1996)، وتطوان (1997). ويخصّ إدراجٌ خامس مدينة الصويرة العتيقة (2001)، المينائيّة والأحدث. وهذه الإدراجات ليست شرفيّة: إنّها تفرض على الدولة المغربيّة التزاماتِ صونٍ وتقنينِ بناءٍ وجردٍ حرفيّ، تنفّذها وزارة الثقافة بتنسيقٍ مع دار الصانع.
بالنسبة إلى الصانع، يغيّر إدراجُ مدينته العتيقة في اليونسكو السلسلة فعليًّا. تستفيد الفنادق التاريخيّة — خانات قديمة حُوِّلت إلى ورشاتٍ جماعيّة — من برامج إعادة التأهيل. ومدرسة العطّارين بفاس، المنجزة سنة 1325، أو مدرسة ابن يوسف بمرّاكش، المرمّمة سنة 2020-2022، مصدرا إلهامٍ دائمان لمعلّمي الزليج: يأتون لدراسة التركيبات وقياس الوحدات وتصوير الزخارف.
iv. المجمّعات الحرفيّة
تمييزًا عن أسواق المدينة العتيقة، المجمّع الحرفيّ مؤسّسةٌ حديثة: مركّبٌ من ورشاتٍ ومحلّاتٍ تحت إدارةٍ عموميّة واحدة، يبيع فيه الصانع بأسعارٍ منظّمة دون وسيط. للبلاد نحو ثلاثين منها، أنشطها المجمّع الحرفيّ باب دكّالة بالصويرة (120 صانعًا)، والمجمّع الحرفيّ بالرباط، ومركّب الصناعة التقليديّة بمرّاكش في شارع محمّد الخامس.
هذه البنيات، التي تديرها دار الصانع، تضمن للزائر أصالة المنشأ وتتيح للصانع ولوجَ سوقٍ مستقرّة دون الاعتماد على بازارات السيّاح. وقد أُعيد تشكيلها سنة 2024 وفق الاستراتيجيّة الوطنيّة الجديدة.