في تيزنيت، تسمع الفضّة قبل أن تراها. وصوت مطارق الصاغة، من المشور، يمنح المدينة العتيقة إيقاعها.
معرض
مرّر ←فيديو · الحركة في الصورة
يُستبدَلأُسّست تيزنيت مدينةً محصّنة سنة 1882 على يد السلطان العلويّ الحسن الأوّل، ضمن سياسته في إعادة تأكيد سلطة المخزن على الجنوب — في مواجهة قبائل سوس والأطلس الصغير المتمرّدة. وأمر السلطان ببناء 6 كلم من الأسوار الطينيّة (ما زالت قائمة، مصنّفة معلمًا تاريخيًّا)، و9 أبواب (منها باب الخميس، باب أݣلو، باب المعدر)، ومسجدٍ كبير وقصبة. وفي عهد الحماية الفرنسيّة، صارت المدينة مركز الصياغة الكبير في الجنوب، باستقبال الصنّاع اليهود في واحات سوس والأطلس الصغير (إفران، تالوين، أقا) الذين انسحبوا تدريجيًّا نحو مدن الشمال.
I. مدينة-حصن، مدينة-ورشة
أراد الحسن الأوّل أن يجعل تيزنيت قفل الجنوب. وتصميم المدينة عسكريّ: أسوارٌ متّصلة، منحدرٌ دفاعيّ، أبراج زوايا، مسجد-قلعة في المركز. وأقام السلطان نفسه جزءًا من الحامية الشريفة — جنودٌ من تافيلالت والشاوية والصحراء — تجذّروا في المدينة الجديدة. وساحة المشور، الفسحة المفتوحة الواسعة في وسط المدينة، خدمت في آنٍ ميدان استعراضٍ، وسوق ماشية، و— منذ وصول أسر الصاغة في مطلع القرن العشرين — السوق الرئيس للصياغة.
هذه الصلة بين وظيفةٍ عسكريّة مؤسِّسة ودعوةٍ حرفيّة متأخّرة نادرةٌ في تاريخ المغرب. وتيزنيت لا تنحدر من مدينةٍ عتيقة وسيطيّة: إنّها مدينة-مشروع من القرن التاسع عشر، آخر تأسيسٍ شريف قبل الاستعمار وإحدى أحدث المدن المغربيّة العتيقة. وهذا يفسّر نسيجها المنتظم، وأزقّتها الواسعة نسبيًّا، ومنطقها العسكريّ الظاهر — المختلف جذريًّا عن فاس أو تطوان.
II. الصياغة الأمازيغيّة، التقنية والرموز
فضّيّات الجنوب الأمازيغيّة — التي صارت تيزنيت عاصمتها — تُعرَف بأربع تقنياتٍ رئيسة: الفيليݣران (خيوط فضّةٍ دقيقة مجمّعة وملحومة دون حاملٍ، تشكّل نقوشًا مفرّغة كالدانتيل المعدنيّ)، والتكفيت (ترصيع خليطٍ أسود-كبريتيّ في حفرٍ مملوءٍ بالنار)، والتحبيب (كُريّاتٌ فضّيّة مجهريّة ملحومة على السطح)، والنقش بالإزميل. وغالبًا ما تجمع ورشات تيزنيت الأربع على القطعة الواحدة.
الأشكال النموذجيّة طقسيّة: خلالة تيزرزاي (دبّوسٌ مثلّثيّ طويل يمسك الحايك)، أساور النبالة (طوقٌ صلبٌ سميك)، عقود اللبّة (صفوفٌ من العنبر والمرجان والفضّة معلّقة بألواح فيليݣران)، تيجان تاونزا، تعاليق الخلالة. ولكلّ قطعةٍ وظيفةٌ اجتماعيّة دقيقة — إعلان مكانة، الحماية من العين، تثبيت لباس — فلم تكن إذن زينةً مجّانيّة بل نحوًا اجتماعيًّا تقرؤه الجماعة كلّها.
III. الإرث اليهوديّ
كادت كلّ أُسر الصاغة الكبرى بتيزنيت، حتى الستّينيّات، تكون يهوديّة. ويهود سوس والأطلس الصغير — جماعاتٌ قديمة جدًّا، موثّقة منذ العصور القديمة — مارسوا الصياغة قرونًا في قصور الواحات. ومع تراجع طرق القوافل وانعدام أمن الجنوب أواخر القرن التاسع عشر، انسحبوا تدريجيًّا إلى تيزنيت، حيث وجدوا الحماية (المدينة محصّنة بالسلطان) وسوقًا في توسّع. وضمّ ملّاح تيزنيت، غرب المدينة العتيقة، حتى 2000 ساكنٍ يهوديّ في الخمسينيّات.
تمّ الرحيل الكبير نحو إسرائيل وفرنسا بين 1956 و1967. والصنّاع المسلمون الذين خلفوهم — كثيرٌ منهم متدرّبون تكوّنوا مباشرةً على المعلّمين اليهود — خلّدوا التقنيات، لكن بانعطافاتٍ أسلوبيّة جديدة. واليوم، ما زالت بعض أسر صاغة تيزنيت تدّعي النسب المباشر لمعلّمٍ يهوديّ — تراثٌ لامادّيّ تبدأ المدينة بتوثيقه.
IV. القطاع، المؤشّر الجغرافيّ والمستقبل
إقليم تيزنيت، مع الصويرة، الحوض الكبير لشجرة الأركان — تراثٌ لامادّيّ باليونسكو 2014. وزيت الأركان ومشتقّاته التجميليّة الاقتصاد المحلّيّ الثاني بعد الصياغة. ويضمّ الإقليم أكثر من 400 تعاونيّة أركانٍ نسائيّة، تصدّر عدّةٌ منها (تارݣانين، تيغانمين) إلى أوروبا واليابان. ونال الإقليم مؤشّر «زيت الأركان» الجغرافيّ في إطار القانون 25-06، أوّل منتوجٍ مغربيّ ينال حمايةً جغرافيّة أوروبيّة.
وللصياغة، مسار مؤشّر «فضّة تيزنيت» الجغرافيّ جارٍ، تحمله غرفة الصناعة التقليديّة بجهة سوس-ماسة وتدعمه وزارة السياحة. وتنظّم المدينة منذ 2013 مهرجان الصياغة — حدثٌ سنويّ يجمع الصنّاع والمصمّمين المعاصرين والمشترين الدوليّين، في منطق تحديث رموز الحليّ الأمازيغيّ.
V. للمشاهدة، للتعلّم
أماكن أساسيّة لفهم حرف تيزنيت.
- ساحة المشور وسط المدينة العتيقة — السوق الرئيس للصياغة، سوق الحليّ يوم الجمعة.
- الأسوار جولة المدينة — 6 كلم من الطين، مصنّفة معلمًا تاريخيًّا.
- عين أݣلو المدينة العتيقة — عين التأسيس الأسطوريّة، ما زالت نشطة.
- الملّاح غرب المدينة العتيقة — الحيّ اليهوديّ القديم، كنيسٌ مرمَّم.
- باب الخميس الشمال الشرقيّ — بابٌ تاريخيّ، سوق الخميس القبليّ.
- مهرجان الصياغة كلّ غشت — منصّةٌ للحليّ المعاصر والأمازيغيّ.