في القرن التاسع، حين أسّس مولاي إدريس الثاني فاس، كان الدبّاغون يستقرّون أصلًا على ضفاف وادي فاس. فالماء الوفير يتيح غسل الجلود مرارًا؛ والطين والجير المحلّيّان يخدمان نزع الشعر. وسرعان ما تبنّت المدينة الناشئة مثلًا: «دار الدباغ، دار الذهب» — بيت الدباغة هو بيت الذهب.
معرض
مرّر ←فيديو · الحركة في الصورة
يُستبدَلنحو 1325، يُحصي المؤرّخ علي ابن أبي زرع، في روض القرطاس، 86 دار دباغة نشطة في المدينة العتيقة. وبعد سبعة قرون، بقيت ثلاثٌ — الشوّارة، سيدي موسى، عين أزليتن — كلّها في قلب المحيط نفسه، على بُعد خطواتٍ من جامع القرويّين. والشوّارة أكبرها وأبرزها وأكثرها تصويرًا. وهي أيضًا أقدم مؤسّسة في العالم لا تزال تعمل، بكلّ الفئات.
i. كلمة maroquin
منذ القرن الثالث عشر، تذكر الأرشيفات التجاريّة الأوروبيّة استيراد الجلود المغربيّة إلى الأندلس ثمّ إيطاليا. وفي القرن السابع عشر، يدلّ المصطلح الفرنسيّ «maroquin» على جلدٍ ليّن دقيق الحبيبات، مصبوغٍ بألوانٍ زاهية — منتوجُ ترفٍ تدفع فيه فرنسا غاليًا وتقلّده بإتقانٍ ضعيف. والكلمة، كالشيء، من اسم البلد.
بيت الدباغة هو بيت الذهب. مثلٌ فاسيّ، القرن الرابع عشر
ii. طقس الأحواض
تبقى الدباغة بالمغرب، في الشوّارة، نباتيّةً بالكامل تقريبًا — أي تستعمل العفص المستخرَج من النبات، دون كروم ولا موادّ صناعيّة. وهذا ما يميّز جلد فاس عن أيّ إنتاجٍ صناعيّ. وتجري العمليّة في خمس مراحل كبرى:
- النقع ونزع الشعر — تُغمَر الجلود الطريّة (بقر، غنم، ماعز، إبل) أيّامًا في أحواضٍ فيها خليطٌ من الجير الحيّ وذرق الحمام. وتهاجم النشادرُ في الذرق الشعرَ وتليّن الأدمة.
- الغسل — تُخرَج الجلود وتُداس طويلًا في الماء الجاري لإزالة الجير.
- الدباغة — حمّامٌ في حوضٍ من لحاء الميموزا والتارة، أو أوراق النخيل القزم. ويثبّت العفصُ ألياف الكولاجين ويوازنها.
- الصباغة — كلّ حوضٍ صبغة: زهر الخشخاش للأحمر؛ النيلة للأزرق؛ الحنّاء للبرتقاليّ؛ النعناع للأخضر؛ الزعفران لأصفر البلغة المسمّاة «زيواني».
- التجفيف — ثلاثة أيّام على سطوح المدينة العتيقة، في الشمس والريح.
لماذا غصن النعناع عند المدخل
يتلقّى كلّ زائرٍ للشوّارة، منذ أوّل سطح، غصنَ نعناعٍ طازج. وليس هذا فولكلورًا: فالرائحة النشادريّة المتصاعدة من أحواض الجير والذرق قويّة. والنعناع — يُحمَل تحت الأنف — يعمل مرشّحًا شمّيًّا عمره قرون.
iii. الأرقام
بالشوّارة
يوميًّا
بفاس
التأسيس
iv. اقتصادٌ هشّ
يمرّ قطاع الجلد، منذ عشرين سنة، بسلسلةٍ من التوتّرات. فقد ضاق التزوّد بالجلود الخام: إذ تفضّل المجازر المغربيّة غالبًا التصدير المباشر. والعفص النباتيّ — المستورَد تاريخيًّا إلى فاس من سوس — يغلو ثمنه عامًا بعد عام. ومنافسة جلود الكروم الصناعيّة الرخيصة تقضم الهوامش. والنقل يعاني: إذ يقلّ المنخرطون الشباب في التكوين المهنيّ.
وللردّ على ذلك، أطلقت الوزارة ودار الصانع عدّة برامج: إعادة تأهيل المدابغ الثلاث (أُنجزت على مراحل بين 2013 و2020)، وإحداث علامةٍ جماعيّة «جلد فاس الأصليّ»، وتجهيزاتٍ مشتركة، والتسجيل في دفتر تحمّلات المؤشّرات الجغرافيّة.
v. محطّاتٌ زمنيّة
على ضفاف وادي فاس، يستفيد الدبّاغون من الجير المحلّيّ والماء لنزع شعر الجلود.
روض القرطاس يُحصي دور الدباغة في أوج نشاطها.
الأندلس، إيطاليا، ثمّ فرنسا: «maroquin» يصير الاسم العامّ للجلد الفاخر الليّن.
يشمل المحيط المدابغ الثلاث الباقية.
برامج متعاقبة للوزارة ودار الصانع، تحديثٌ مائيّ دون المساس بالعمليّة النباتيّة.
vi. أن ترى وتشمّ وتشتري
ثلاث مدابغ نشطة
- الشوّارة — الأكبر، يُوصَل إليها من محلّات الجلد المجاورة التي توفّر سطحًا بانوراميًّا. سوق الشوّارة، فاس البالي.
- سيدي موسى — أكثر تحفّظًا، نشطةٌ في الحيّ نفسه.
- عين أزليتن — أصغر الثلاث، بعيدةٌ عن المسالك السياحيّة.
شراء الجلد الحقيقيّ
تُباع الأغراض الخارجة مباشرةً من المدابغ في السوق المجاور. ولتمييز جلدٍ مدبوغٍ حقًّا بفاس، ثِق بالمادّة: للجلد النباتيّ رائحةٌ جافّة (خشب، لحاء)، لا الرائحة الكيميائيّة للكروم؛ ويتقادم في باتينا، لا في قشرة؛ وهو يتنفّس. فضّل التعاونيّات والورشات المعروفة، واسأل عن المنشأ، وارفض «الجلد الأصليّ» دون ذكر نوع الدباغة.
خمسة منتجات رمزيّة
1. بلغة زيواني — جلدٌ مصبوغ بالزعفران، نعلٌ ليّن، طرفٌ مرفوع. مرجع المغرب.
2. بوف جلديّ مخيط يدويًّا — قَصّةٌ مربّعة أو دائريّة، ستّون قطعة جلدٍ مخيطة باليد.
3. حقيبة ومحفظة — جلدٌ كامل الحبّة، بطانةٌ من السرج الطبيعيّ.
4. سرج مكناس — جلدٌ بقريّ، تطريزٌ بخيط الفضّة.
5. تجليد سلا — جلد maroquin للكتب النفيسة، تذهيبٌ بالكيّ.
المصادر
- اليونسكو، مدينة فاس العتيقة، إدراج 1981، whc.unesco.org.
- علي ابن أبي زرع، روض القرطاس، نحو 1325 (طبعة نقديّة إفريقيا، الرباط، 1972).
- «دار دباغ الشوّارة: الدبّاغون حتى النخاع»، La Vie éco، lavieeco.com.
- وكالة الأنباء السنغاليّة، «في قلب مدبغة الشوّارة بفاس»، 5 يناير 2026، aps.sn.
- وزارة السياحة والصناعة التقليديّة والاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ، mtaess.gov.ma.
- دار الصانع، برامج 2026، mda.gov.ma.
vi. البلغة المغربية — Babouches
البلغة هي الحذاء التقليديّ المغربيّ بامتياز — اسمها مشتقٌّ من الفارسيّة پاپوش عبر التركيّة بابوش، لكنّ شكلها الحاليّ مغربيٌّ في الجوهر، تحدّد بفاس في القرن الخامس عشر. ويعترف المرسوم رقم 2.21.991 بشأن لائحة الأنشطة الحرفيّة بصناعة البلغة التقليديّة («الخرّاز»، من اسم الإسكافيّ بالعربيّة المغربيّة) حرفةً قائمة بذاتها.
يشتغل الخرّاز (الخرّاز) باليد، دون مسامير، فيجمع النعل (جلدٌ سميك متعدّد الطبقات) والوجه بخياطةٍ غرزةً غرزة. وتتطلّب بلغةٌ تقليديّة جيّدة من 4 إلى 8 ساعات عملٍ حسب تعقيد التطريز.
البلغة الصفراء · Babouche jaune fassia
كلاسيكيّة فاس، من جلد غنمٍ طبيعيّ مصبوغٍ بالكركم ثمّ مُشمَّع. كعبٌ مسطّح، طرفٌ مدبّب (أو مستدير للقديمة). تُلبَس البلغة الصفراء للصلاة، في المسجد، وفي المناسبات الرسميّة (الأعراس، العيد). يتركّز الإنتاج في باب بوجلود وسوق مدينة فاس العتيقة.
البلغة المطرّزة — زينة النساء
بلغةٌ نسائيّة احتفاليّة، من المخمل أو الساتان أو الجلد الرقيق، مطرّزة بخيط الذهب أو الحرير أو اللؤلؤ. ويستعيد التطريز نقوش القفطان (النجمة الثمانيّة، الأرابيسك، الزهور المنمّقة). ويُثمَّن الطرز الفاسيّ والطرز التطوانيّ (غرزة الصليب). والصنف الفاخر: الشربيل، بكعبٍ داخليّ مرتفع، تلبسه العرائس.
البلغة الأمازيغيّة — حذاء الجنوب
بلغةٌ أكثر خشونة من المناطق الأمازيغيّة: سوس، الأطلس الصغير، تافيلالت. جلدٌ بقريّ مدبوغ بالعفص النباتيّ، نعلٌ أسمك، كعبٌ أبرز. غالبًا حمراء أو بنّيّة. للرجال وظيفيّة (الترحال، المشي)؛ وللنساء مزيّنة بكراتٍ صوفيّة ملوّنة.
البلغة المدمّسة — قطعة مكناس
اختصاصٌ مكناسيّ: يحمل النعل أو الوجه ترصيعَ التدميس (خيوط ذهبٍ أو فضّةٍ مغروسة في الجلد). إنتاجٌ محدود، ثمنٌ مرتفع، موجّهٌ للتصدير أو لهواة الجمع.
البلغة الحديثة ومسارات جديدة
منذ 2010، حدّث عدّة مصمّمين مغاربة (Atelier Nawel، Zyne، Sabah Morocco) البلغةَ للسوق الدوليّة: ألوانٌ جديدة (باستيل، معدنيّة)، أشكالٌ أكثر معاصرة، تسويقٌ في أوروبا. ويبقى الصنع حرفيًّا، في ورشات فاس ومرّاكش والدار البيضاء. وهي اليوم من أكثر ثلاثة منتجات جلديّة مغربيّة تصديرًا (مع البوف والجلديّات الفنّيّة).
vii. مصادر رسميّة
- القانون 50-17 المتعلّق بمزاولة أنشطة الصناعة التقليديّة (ظهير رقم 1.21.122، الجريدة الرسميّة دجنبر 2021).
- المرسوم رقم 2.21.991 — لائحة الأنشطة الحرفيّة الـ172 (فرع الجلد والحذاء التقليديّ). rna.gov.ma
- دار الصانع — برنامج تميّز الجلد. mda.gov.ma
- المركز الجهويّ للتراث الثقافيّ اللامادّيّ (CRPCI)، فاس — تحت رعاية اليونسكو.
- الفدراليّة المغربيّة للدباغة والجلد — إحصاءاتٌ قطاعيّة سنويّة.